هكذا تكلَّم سارتر

هكذا تكلَّم سارتر

ما الذي بإمكانك أن تتوقعه من مطالعة عقلية من أعظم فلاسفة القرن العشرين، والحائز على جائزة نوبل؟

وما قيمة هذا العمل الذي يتيحه لك واحد مثل جون جراسي، الذي حين كان طفلًا تموج بآذانه كلمات صديقي والديه المقربين “جان بول سارتر، وسيمون دي بوفوار، واللذين صارا كوالديه؟

ألا يجعل كل هذا توقعنا يرتقي إلى ما يشبه سيرة ذاتيه منتجة كثمار لسلسلة حوارات امتدت بين عامي ١٩٧٠ - ١٩٧٤؟  

هذا العنوان “هكذا تكلّم سارتر” الذي اختاره مؤلف هذا الكتاب - الأستاذ القدير مجاهد عبد المنعم مجاهد- ليتسق مع عمل نيتشة - الفيلسوف الألماني - الشهير “هكذا تكلّم زرادشت”، لأنه يرى أن هذه الحوارات ترتقي فعلًا لمستوى عمل نيتشة. وهو يرى، كما يرى مدير الحوارات ومحرر الكتاب الفيلسوف جون جراسي، بمثابة “توثيق تدرجي تاريخي بشكل أو بآخر لحياة شخصية أدبية عظيمة وتفسير لعصره”. كل هذا يضع القارئ أمام طبيعة هذا العمل، وما يجب أن يتوقعه قبل تصفحه لهذا الكتاب.

يفتح هذا الكتاب بابًا للتعرف على جوانب لفكر رجل، وفكر عصر بأكمله، وهذه الحوارات التي أجراها جراسي مع سارتر تعتبر غير مسبوقة وليس لها مثيل فيما كتبه سارتر أو ما كتب عنه. ويُظهر هذا الحوار سارتر بشخصيته العفوية، إذ قد نسي أن هناك تسجيلًا صوتيًا لهذا الحوار. ويمكننا أن نرى من خلاله ما اتصف به سارتر من فضول نهم، وشغف سياسي، وأمانة متبدية، وسخرية للذات، واعتداد بالذكورة. 

وتعتبر تعليقات سارتر العابرة التي تضمنها هذا الحوار من أعظم ما يحتويه، وتمكننا من إلقاء نظرة كاشفة على روحه وفكره، كل هذا عبر ما نستشفه من بين السطور. 

وفي هذا الكتاب أبدع جراسي في عرض سارتر كما هو، بأعمق أفكاره وفلسفته الوجودية، التي كانت متعمقة في وجدانية ووجدان بيئته الخاصة، التي أخرجت لنا هذا المفكر الذي لن يتكرر، جان بول سارتر. فخلال المقابلات التي يسجلها هذا الكتاب يمكننا التلاقي مع الإشكاليات، والصراعات بكل تعقيداتها التي أبرزت لنا هذا الفيلسوف العظيم. ونرى، على وجه الخصوص، صراع سارتر  مع التناقض الصريح بين وجهات النظر بشأن الحرية وتأثير الظروف المجتمعية على خيارات وأفعال الفرد، وهو ما يؤدي إلى حجب الحرية. كانت هذه قضيته الشاغلة، فكان دائمًا يبحث ويحرض على نزع الحرية من هذا العالم، فكان يراها غذاء الإنسان الحقيقي، الذي من خلاله يقدر أن يتجاوز العدم لخلق المعنى، فيتضح في الحديث تأثيرات الشيوعية و أفكار ماركس عليه، و تأثير السياسة في عصره ورؤيته المتجاوزة لعصره، فهذه الرؤية المتجاوزة لسارتر لم تكن وليدة الصدفة، ولكنها رؤية تمسّ أعماق الوجدان الإنساني، وهي قضية الوجود. فهذا الحديث يضيف كثيرًا للمهتمين بسارتر ليس لأنه يحتوي على فلسفته و أفكاره وفقط، ولكن لأنه يعرض أبعادًا أكثر لأفكاره المجردة، لأنه يوضح السياق الحقيقي لهذه الأفكار، فتجاوز هذه الأفكار يأتي لامتداد الواقع، ولكن فهم سياقها هو الأنسب للتأصيل الحقيقي لها في وجدان القارىء. بالفعل أبدع جراسي صديق سارتر المقرب في إخراج كل ما في داخل سارتر من أفكار وآراء عن فلسفته الخاصة والواقع المحيط و انتقاداته لفلسفته و انتقاداته للآخرين وحديثه عن واقع القرن العشرين الذي يتضح خلال الحديث مأساويًا على الأغلب بسبب الحروب العالمية التي حدثت، فهذا الكتاب يعرض تجربة إنسانية عميقة لمفكر من أعظم المفكرين على مدار التاريخ عاصر حروبًا و أحداثًا مصيرية في العالم، ولم يكتفِ بمعاصرتها بل كتب وأسهم في تحليلها وتقديم فلسفه عاكسة لهذا العصر ومتجاوزة له نحو تحقيق للوجود الإنساني، ليكون هذا التحقيق بمثابة المخلص الحقيقي للوجود البشري الذي يُحترم فيه الفرد، وحريته المتفردة التي هي أهم مقومات الحياة على الإطلاق.

قراءة هذا الكتاب القيم تضيف الكثير للقارئ من تاريخ وفلسفة وفكر، تضيف له خبرة حقيقية وحياة. 

تدوينات ذات صلة:

Leave a Reply

All fields are required

Name:
E-mail: (Not Published)
Comment: